ابن عجيبة

46

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

ضميرهم ؛ للتنبيه على أن مناط الرزق المذكور محض مشيئته تعالى ، لا أعمالهم المحكية ، ويحتمل أن يريد بالرزق ما يرزقهم في الدنيا مما يقوم بأمرهم ، حين تبتّلوا إلى العبادة ، يرزقهم اللّه من حيث لا يحتسبون ، من غير حصر ولا عد . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : البيوت التي أذن اللّه أن ترفع هي القلوب ، التي هي معدن الأسرار ومحل مصابيح الأنوار ، ورفعها : صونها من الأغيار ، وتطهيرها من لوث الأكدار ، وبعدها من جيفة الدنيا ، التي هي مجمع الخبائث والأشرار ، ليذكر فيها اسم اللّه ، كثيرا ، على نعت الحضور والاستهتار ، وإنما يمكن ذلك من أهل التجريد والانقطاع إلى اللّه ، الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر اللّه ، يخافون يوما تتقلب فيه القلوب عن حضرة اللّه ، والأبصار عن شهود اللّه ، وذلك بشؤم الغفلة في الدنيا عن اللّه ، والقيام بحقوق اللّه ، ليجزيهم اللّه أحسن ما عملوا ، في جنة الزخارف ، ويزيدهم من فضله التّنزّه في جنة المعارف . واللّه يرزق من العلوم والمعارف من يشاء بغير حساب . ثم ذكر ضد أهل النور ، وهم أهل الظلمة ، فقال : [ سورة النور ( 24 ) : الآيات 39 إلى 40 ] وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ ( 39 ) أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ ( 40 ) قلت : « كسراب » : خبر الثاني ، وهو : ما يروى في الفلوات من لمعان الشمس وقت الظهيرة ، يسرب على وجه الأرض ، فيظنّ أنه ماء يجرى . و ( بقيعة ) : متعلق بمحذوف ، صفة لسراب ، أي : كائن بأرض قيعة ، أي : منبسطة ، و ( سحاب ظلمات ) : من جرّها : فبالإضافة « 1 » ، ومن رفعها : فخبر ، أي : هي ظلمات . يقول الحق جل جلاله ، في بيان أعمال الكفرة وظلمة قلوبهم ، بعد بيان حال المؤمنين وأنوار قلوبهم : وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ التي هي من أبواب البر ، كصلة الرحم ، وفك العناة ، وسقاية الحاج ، وعمارة البيت ، وإغاثة الملهوف ، وقرى الأضياف ، ونحوها ، مما لو قارنه الإيمان لا ستوجب الثواب ، مثاله : كَسَرابٍ ؛

--> ( 1 ) قرأ البزي ( سحاب ظلمات ) بالإضافة ، وقرأ الجمهور : ( سحاب ظلمات ) بالتنوين والرفع فيهما . انظر الإتحاف ( 2 / 299 ) .